الجمعة، 8 أغسطس 2008


صنعفى تحت الاحتلال الاثيوبى الجديد :
ان الحرب التى اندلعت بين ارتريا واثيوبيا بسبب الحدود احدثت دمارا هائلا فى عدد من المدن الارترية نتيجة للقصف العشوائى الاثيوبى . ولسوء الحظ نالت مدينة صنعفى نصيب الاسد من ذلك الدمار والمعاناة نسبة لقربها من الحود الاثيوبية - 25 كلم فقط – ووقوعها كذلك فى محور اشد الجبهات القتالية ضراوة وهى جبهة عليتينا - زالمبسا ، لذلك فقد تعرضت فى الجولة الثالثة من الحرب الى احتلال كامل من قبل الاثيوبيين وتشرد سكانها وتفرقت بهم السبل وقتل بعض منهم نتيجة للشظايا الطائشة بسبب وقوع المدينة فى اطار منطقة العمليات العسكرية ، واذكر من الذين فقدوا اراواحهم فى هذا المرحومة بخيتة ابراهيم موسى شقيقة صديقى العزيز محمد امان والتى مزقتها قذيفة صاروخية امام ابنائها فى منزلها كقصة من القصص المأساوية العديدة والبشعة التى افرزتها الحرب الاخيرة .
مآسى ومعاناة الاسرة فى ظل الاحتلال الاثيوبى الجديد :
كغيرها من الاسر واجهت الاسرة متاعب جمة بعد احتلال اثيوبيا لمدينة صنعفى فى الجولة الثالثة من الحرب الارترية الاثيوبية الاخيرة حيث تشتت الاسرة الى اماكن متفرقة ولولا عناية الله وحفظه كادت العائلة ان تباد باكملها لانها كانت حوصرت مع كثير من العوائل فى الحقول الزراعية الواقعة شمال المدينة بين قوات الدفاع الارترية المتمركزة على سفوح جبل ( عرب تريكا ) وبين القوات الاثيوبية التى تمترست فى وسط المدينة وانقذت عناية الله السكان من جحيم النيران المتبادلة .
اما فى الوضع الخاص بالاسرة فقد استطاع شقيقى عمر - بعدما فشل فى العودة الى المدينة - الخروج فى الاتجاه الشمالى الشرقى للمدينة مع زميله اسماعيل عسا عمر ومعهم مجموعة من الشبان قتل بعض منهم ولم يجد الناجين وقتا لدفنهم فما كان منهم الا ان جمعوا الاشلاء المتناثرة فى قطع قماش وربطوها وتركوها فى الكهوف والوديان لعلها تجد من يدفنها ، وبعد مسيرة طويلة ورحلة شاقة وصل الناجون الى ساحل البحر الاحمر بعد ان سلكو طرقا تعتبر من اشد الطرق وعورة فى ارتريا هذا بشأن عمر اما شقيقتى راضية فلم تكن لتصبر لترى كل هذه المآسى فحزمت امرها مبكرا وسافرت الى قرية اخوالى " القراب " ومنها الى مدينة( عدى قيح) ومن ثم الى اسمرا واستطاعت البقية الباقية من الاسرة التسلل والعودة الى مدينة صنعفى مرة اخرى بعد هدوء نسبى كان قد ساد الاوضاع هنالك وهنا بدأ الفقيد يبحث عن مخرج للاسرة من اجل الخروج الآمن من هذه المدينة المحتلة والتى تجمع سكانها مسلميها ومسيحييها داخل المسجد الكبير لاحتوائه على سرداب تحت بناية المسجد تقيهم من فرضيات المدافع الثقيلة التى بدأت تمطر سماء المدينة مرة اخرى ، وهنا استطاع الفقيد ومعه بعض الاسر الخروج من المدينة واتجهوا جنوبا ومن ثم عرجوا على قرية ( كبسا) ثم ( حمس) ومنها الى( القراب) ف(عدى قيح )ومن ثم وصلوا( اسمرا ) ففى هذه الرحلة التى تكررت مرتين استطاع الوالد – رحمه الله – فى الاولى اخراج ابنته زهرة وسعدية زوجة ابنه اسماعيل واطفالهما وبعض العائلات الاخرى ولكن فى المرة الثانية كان على موعد مع المعاناة حيث اصيب ابن اخيه عبدالرحيم بطلق نارى من القوات الاثيوبية اعتقادا منهم بانه جندى فى القوات الارترية ومن ثم رفض الاثيوبيون علاجه الا بعد ان يتأكدوا من انه ليس بجندى فلم يكن هنالك خيار امام الوالد – رحمه الله – سوى السفر الى اسمرا لاحضار جواز المصاب للتأكيد بانه ليس بجندى ، وكانت كل لحظة تمر تضاعف من مأساة عبدالرحيم الذى كان ينزف واستطاع الفقيد الذهاب ثم العودة عبر رحلة المعاناة المذكورة آنفا " كبسا – حمس – القراب – عدى قيح – اسمرا " ومن ثم عاد على وجه السرعة الى صنعفى ليتمكن من اقناع الاثيوبيين لعلاجه وكان له ما اراد فتم معالجة عبدالرحيم وتم ادخاله مستشفى صنعفى ومن ثم خرج الفقيد مرة اخرى الى اسمرا ليتفقد اوضاع بقية الاسرة لسريان شائعة هنالك تقول ان مجموعة من الشباب الذين خرجوا من الاتجاه الشمال الشرقى لمدينة صنعفى قتلوا جميعا بالصواريخ التى كانت تتساقط باستمرار – حينها – ومن المعلوم ان ابنه عمر كان ضمن تلك المجموعة ولكن لم تكن الا شائعات راجت لحتمية الظرف حينها . وبعد وصول عمر الى ساحل البحر الاحمر اتجه مع غيره الى مصوع ومن ثم انضم الى شقيقته زهرة فى معسكر ( ماي حبار) وهو معسكر اقامته الحكومة الارترية للنازحين من جبهات القتال على محور صنعفى .
وحاول الفقيد العودة الى صنعفى مجددا ولكن القوات الاثيوبية قررت اغلاق جميع الطرق المؤدية الى صنعفى وكاد الوالد – رحمه الله – ان يتعرض فى احداها لاطلاق نار من جندى اثيوبى وهكذا تشتت الاسرة الوالدة وعبدالرحيم فى صنعفى والوالد ومعه البقية توزعوا فى ماي حبار واسمرا .
ولم يكف الوالد – رحمه الله - عن محاولات الدخول والعودة الى صنعفى ونتيجة لهذا الوضع المأساوى والرحلات المحفوفة بالمخاطر ، اشار بعض الناس على الفقيد ان يسافر خارج ارتريا حتى تهدأ نفسه قليلا ووافق ، على مضض وخرج الى دولة جيبوتى الى ابنه اسماعيل ومن ثم عرج الى ابنه الاخر سراج فى اليمن والذي لم يلتقيا منذ اكثر من عشر سنوات . فى اثناء ذلك تمكنت الوالدة عبر الصليب الاحمر الدولى ارسال رسالة تطمئن البقية على احوالها وعلى احوال عبدالرحيم واستمر الحال هكذا حتى وقعت اتفاقية السلام بالجزائر بين ارتريا واثيوبيا معلنة ايقاف حرب ضروس احرقت الاخضر واليابس وخلفت المآسى والجراح المريرة ويكن الشعب الارترى اعظم الاحترام للرئيس الجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة لما بذله من اجل ايقاف نزيف تلك الحرب اللعينة واعاد بسمة فارقت اوجه السكان كثيرا وكان نصيب الاسرة من ذاك السلام ان تجمعت مرة اخرى .
لقد تعرضت الاسرة الى معاناة كبيرة فقد قصت لى الوالدة حجم المعاناة والمآسى التى تعرضت لها الاسرة فى الاسابيع الاولى للحرب بعدما اغلقت الطريق امام الخروج من المدينة وتأخرت مساعدات الصليب الاحمر الدولى حيث انتهت كل المدخرات الغذائية للمدينة ولم تكن لنا ما نسد به الرمق من مال حيث رفض الإثيوبيون فى بداية الأمر التعامل بالعملة الإرترية (نقفة) ولم يستطع احد من افراد الاسرة ان يمدها بالعملات الاجنبية ، فى هذا الجو العصيب الذي بلغت فيها المأساة ذروتها - كما حكتها لى الوالدة - " كدنا نهلك ولكن شاءت ارادة الله ان يلوح لنا لون فرج وبارقة بشرى فى الفضاء وكان العون هذه المرة من خارج الحدود من اخى رمضان عمردين من السعودية وقد استطاع ان يرسل مبلغا من المال مع احد القادمين من السعودية وتكفل هذا الشخص بتوصيل هذا المبلغ الينا باعطاءه لاحد البدو الذى استطاع التسلل الى المدينة رغم الحظر المفروض من قوات الاحتلال الاثيوبى ولكن هكذا اهل صنعفى وضواحيها متفانون فى خدمة الناس ولو كان يوردهم ذلك مورد الخطر وربما الموت ، عموما وصلت الامانة الينا واستطعنا ان نسير بها حياتنا الى ان قدمت لنا المنظمات الطوعية الدولية وقدمت لنا من المساعدات ما يمكن تقديمه .
ومن الذكريات الاليمة التى افرزتها الحرب الاخيرة على نطاق البنية التحتية لمدينة صنعفى ان قوات الاحتلال الاثيوبى دمرت عددا من المرافق الحيوية منها مستشفى صنعفى ودار الهاتف والذى لم يكن مكتملا حينها وكذلك مبنى الشرطة والادارات المحلية ومناطق الاثار التى كانت تزخر بها المدينة . اما على مستوى ممتلكات الاسرة فقد تمت سرقة بعض الاغراض وقد حاولت القوات الاثيوبية نسف المدرسة الابتدائة والثانوية الا ان المواطنين تصدوا لهم وساعدهم على ذلك وجود عناصر فى داخل القوات الاثيوبية والذين كانو يعملون كعمال بناء فى صنعفى فى فترة من فترات حياتهم واجبروها على التراجع على تلك الفكرة فلقد كان هؤلاء يحملون كثيرا من الفضل لاهل هذه المدينة الذين قاسموهما اللقمة واشركوهم فى الاعمال المختلفة فكان ان حفظوا هذا الجميل تأكيدا بفضل اولو الفضل حتى وان جارت الايام واصبح العداء هو العنوان فالمعروف ابدا لاينسى والديان لايموت افعل ماشئت كما تدين تدان .